مراجعة و تقييم لعبة Resident Evil Requiem

من أين جاءت فكرة Requiem؟
لكي نفهم Requiem جيدًا، يجب أن نعود للبداية. مع صدور Resident Evil 7 رجعت السلسلة لجذورها في رعب البقاء. من أفضل ما قدمته بالنسبة لي مواجهة عائلة “البيكرز” في جو خانق، بموارد محدودة، ومنظور الشخص الأول الذي عمّق العزلة والخوف النفسي على حساب الأكشن.
بعدها Village طورت هذه التركيبة، ونجحت في مزج الرعب بالأكشن بشكل موزون. قدمت عالم قرية شبه مفتوح للاستكشاف، مع تنوع بالأعداء مستوحى من روح Resident Evil 4.
وأرى أن مرحلة إيثان كانت مفصلية. أنقذت السلسلة من تخبطات Resident Evil 5 و Resident Evil 6 لأنها قدمت منظورًا جديدًا يجمع الكلاسيكي بالتوجه الحديث.
والآن يأتي Resident Evil Requiem ليكمل هذا الخط برؤية المخرج ناكانيشي، عبر شخصية غريس التي تميل للرعب أكثر، ومعها ليون كينيدي الذي يميل للأكشن أكثر.
“ريزدنت إيفل سوشي”
خلصنا مقدمات؟ خلونا نبدأ بـ “لعبة السوشي”.
هذا أفضل تشبيه للعبة، وهو تشبيه إيجابي وليس سلبيًا، وليس من عندي. المخرج ناكانيشي هو من قاله. اللعبة مثل السوشي، دمج بين “السمك الني” و”الأرز”. كل لاعب له تفضيل. ناس تحب الرعب النفسي الخالص، وناس تحب رعب الأكشن. وRequiem تقدم الاثنين بطريقة متوازنة.
وبصراحة، هذا كان أكبر قلق عندي قبل اللعبة. كنت أقول: إذا لم يضبطوا التوازن فسيخرب كل شيء. كيف توازن أسلوبين مختلفين داخل لعبة واحدة؟ كيف تصنع لعبتين داخل لعبة واحدة؟
لكن الذي حصل أن التوازن فاق توقعاتي. استمتعت كثيرًا بأجزاء غريس وكمية التوتر فيها. والأهم أن اللعبة لا تجبرك على “تنظيف الخريطة”. ليس مطلوبًا أن تقتل كل زومبي. المطلوب أن تنجو، وتخرج حيًا.
غريس، قلب رعب البقاء

غريس هي أساس رعب البقاء في اللعبة. من أول لحظة تشعر أنك تلعب بشخصية مدنية خائفة، وليست عميلة مدربة. غريس محللة استخبارات تقنية في FBI، ويوكلون لها قضية وفيات غامضة في Wrenwood Hotel، وهو نفس المكان الذي قُتلت فيه والدتها قبل ثماني سنوات.
وغريس ليست اسمًا جديدًا فقط. هي ابنة “أليسا أشكروفت” الصحفية من Outbreak، وهنا يوجد جسر واضح بين الأجزاء القديمة والجديدة على مستوى القصة.
غريس مدنية بالكامل، بلا خبرة ميدانية، وهذا يظهر في كل شيء: في صوتها، حركتها، تفاعلها مع المكان. تشعر فعلًا أنها ليست في موقعها أمام B.O.Ws مثل ليون.
والجميل أنها ليست “شخصية” فقط، بل تمثل تجميع خط تطور كامل في السلسلة، لكن هذه المرة مركّز على أسلوبها: تعدد الشخصيات، التسلل، والكرافتينغ.
- أسلوب اللعب عند غريس مبني على التوتر والنجاة. ممرات ضيقة، موارد وذخيرة قليلة، والأهم تجنب المواجهة قدر الإمكان.
- التسلل ليس خيارًا إضافيًا. هو أساس لعبها. تختبئ، تستغل البيئة، تسمع قبل أن تدخل، وتتحرك وأنت تحسب كل خطوة. تشعر أن اللعبة تقول لك: الهروب أذكى من الشجاعة الزائدة.
- الميكانيك الأهم هو كرافتينغ “الدم الملوث”. مواردك لا تأتي من العالم فقط، بل أنت “تستخرجها” من الوحوش. وهذا يصنع توترًا ذكيًا: هل تقتل لتجمع دمًا وتصنع أكثر؟ أم تتجنب لتحافظ على نفسك وتكمل بموارد أقل؟
غريس إضافة ممتازة، وأداؤها وتمثيلها أعطيا انطباعًا حقيقيًا بأنها ضعيفة، حتى في طريقة كلامها وترددها. أصبحت من الشخصيات المفضلة لدي.
منظور غريس الأول، لماذا هو مهم؟

هنا نقطة مهمة: منظور الشخص الأول ليس “ستايل” فقط. هو قرار يخدم الرعب نفسيًا. الدراسات تفرق بين خوف لحظي (قفزات مفاجئة) وخوف مستمر (قلق يرافقك حتى وأنت لا ترى الخطر). منظور الشخص الأول يساعد على النوعين معًا، لأن التهديد يصبح قريبًا منك أنت، لا من “شخصية” تراها من بعيد. تشعر أن الخطر موجه لك مباشرة.
أما المنظور الثالث فيعطي مسافة أأمن ومجال رؤية أوسع، فيخف إحساس أنك أنت المهدد مباشرة. لذلك أرى أن منظور غريس الأول يخدم الرعب النفسي ورعب البقاء بشكل أفضل.
الصوت والتمثيل، أدوات رعب وليست إضافات
خصوصًا مع منظور غريس الأول، الصوت في Requiem ليس شيئًا جانبيًا. هو جزء أساسي من الرعب، وليس مجرد موسيقى خلفية.
اللعبة تعتمد بقوة على الصوت المحيطي ثلاثي الأبعاد. تسمع الزومبي بدقة: يمينك أو يسارك، أمامك أو خلفك. تسمع احتكاك المعادن، طقطقة مفاتيح الإضاءة، وخطوات في الممرات توترك قبل أن ترى شيئًا. ومع ضيق زاوية الرؤية في المنظور الأول، الأذن تكمل ما لا تراه العين.
والأقوى أن المكس يستخدم الصمت كسلاح. لحظات هدوء شبه تام تسمع فيها خطواتك وأنفاس غريس، ثم أي صوت جديد، جسم يسقط أو صرخة، يرفع التوتر فورًا. الموسيقى تأتي بحساب، في لحظات المواجهات أو اللقطات الكبيرة فقط، لتزيد النبض وتشعرك أن الوضع خرج عن السيطرة.
حتى الأعداء مرتبطون بالصوت. ليس أنت فقط من يسمعهم، هم أيضًا يسمعونك. فتح باب، ركض، إزعاج، حتى إشعال الولاعة، كلها قرارات “مسموعة”، لذلك كل خطوة عند غريس تصبح محسوبة.
والتمثيل الصوتي يبرز الفرق بين غريس وليون: غريس متوترة، أنفاسها واضحة، تشعر أنها مدنية مرعوبة. ليون صوته مألوف لكن عليه ثقل، محارب قديم تعب لكنه مستمر. هذا الفرق لا يظهر في اللعب فقط، بل في الصوت وطريقة الكلام.
باختصار: الصوت والتمثيل هنا أدوات رعب، وليست تحسينات.
ليون كينيدي، وجه الأكشن

والآن مع معشوق الجماهير: ليون كينيدي.
ليون يعود كعميل حكومي مخضرم، أكبر سنًا وأكثر قسوة. عاش سنوات يطارد كوارث السلاح الحيوي حول العالم، وما زالت راكون سيتي عالقة في رأسه.
سرديًا، خطه يمشي موازيًا لخط غريس. هو يحقق في ضابط مفقود وتقوده الأدلة إلى نفس المنطقة، بينما غريس تطارد ماضي الفندق وقضية والدتها.
وهنا نقطة مهمة: ليون في Requiem ليس بطلًا وحده مثل Resident Evil 4. هذه المرة هو جزء من ثنائية رسمية Grace/Leon داخل قالب تعدد شخصيات معروف في السلسلة. وجوده يكمل بنية “تعدد الشخصيات”، لكنه واضح التوزيع: ليون هو رعب الأكشن، وغريس هي رعب البقاء.
أقسام ليون مصممة كأكشن رعب على نكهة Resident Evil 4 وRE4 Remake تحديدًا: بارّي، استغلال البيئة، وموجات من الزومبي. إذا كانت غريس “تخفي وتجنب”، ليون “مواجهة”.
اللعبة تضعه افتراضيًا على المنظور الثالث لأنه يخدم القتال عندما تكون أمام عدة أعداء. كرافتينغ ليون تقليدي وحديث: بارود وموارد لصناعة الذخيرة، بينما “الكرافتينغ العميق” الحقيقي في Requiem مرتبط بغريس عبر الدم الملوث.
وبالنسبة للتسلل، نعم توجد عناصر حديثة مثل الانحناء وبعض حركات التخفي، لكن تصميم ليون ليس مبنيًا على التسلل مثل غريس. هو أقرب لخط RE4 الكلاسيكي: قتال وهجوم مع بعض اللمسات الحديثة.
ليون يحصل أيضًا على فأس قتالي (Hatchet) بدل السكين، وله شريط حدة، ويمكن شحذه. والفأس ليس للقتال فقط، بل يفتح أماكن لا تستطيع غريس فتحها، ليجعل الاستكشاف مختلفًا بين الشخصيتين. وفي القتال هناك “فوضى ممتعة”: أعداء يرشقونك بأشياء من بعيد، وأحيانًا يمكنك عمل بارّي للمنشار بالتوقيت الصحيح ثم استخدامه، لحظة “فان سيرفس” قوية، لكن يبقى خطرًا حتى وهو على الأرض.
راكون سيتي، عودة تخدم السرد

بين كل التوتر والأكشن تأتي لحظة تعيد لك الذكريات: العودة إلى راكون سيتي.
Requiem تعيد السلسلة إلى راكون سيتي بعد نحو 30 سنة من تدميرها بالصاروخ في أحداث RE3، لكن ليس بنفس طريقة الأجزاء القديمة عندما كانت المدينة “حية”. هنا العودة تأتي تدريجيًا مع تطور التحقيق، وتتحرك القصة نحو راكون سيتي ضمن كشف حقيقة جرائم جديدة مرتبطة بفيروس اسمه “إلبس”.
هذه العودة ليست نوستالجيا فقط. هي محاولة لإكمال السرد الذي بدأ هناك. اللعبة تعود لتجيب سؤالًا ظل معلقًا: ماذا حدث فعليًا للمدينة ولآثار Umbrella بعد أن مُسحت من الخريطة؟
راكون تظهر كخرابة: مبانٍ متفحمة، موقع الصاروخ، وأجواء “مقبرة مفتوحة” لآلاف الضحايا. وتستخدم اللعبة المكان كرمز لفكرة Requiem نفسها: رثاء أخير لراكون، ومحاولة متأخرة لوضع حد لمن يستغل إرث الكارثة.
وحتى على المستوى النفسي، العودة ليست “فان سيرفس” فقط. رؤية شارع أو ممر أو مبنى معروف تشغل ذاكرة عاطفية: تتذكر طرق الهروب، الأبواب المقفولة، أصوات الزومبي، وحتى موسيقى غرف الحفظ. هنا تشعر بمزيج غريب: أمان لأنك تعرف المكان، وتهديد لأن اللعبة تعيده بشكل أكثر سوداوية وخرابًا.
الزومبيز، الكلاسيكي بنسخة جديدة

من أقوى نقاط اللعبة بالنسبة لي: الزومبيز.
تنوع الزومبي في Requiem مبني على فكرة “العدو البشري المصاب”، لكن هذه المرة رفعوا مستوى السلوك والتطور بوضوح.
أبرز إضافة هي “الزومبي الواعي / Sentient Zombies”. هؤلاء ليسوا جثثًا تمشي فقط، بل يحتفظون بعادات من حياتهم السابقة: طباخ يقطع لحمًا في المطبخ، عامل نظافة ينظف حمامًا، ومغنية تصرخ صرخة قوية تستدعي باقي الزومبيز. هذا يجعل كل غرفة تشعر وكأن فيها “قصة صغيرة” لمن كانوا فيها قبل الكارثة.
ثم اللعبة لا تجعلك ترتاح حتى لو “نظفت” المكان. يوجد نظام إعادة إحياء يشبه Crimson Heads، وبعض الزومبي إذا تركتهم بلا إنهاء صحيح يعودون أسرع وأقوى وأكثر ضررًا.
وفوق هذا كله، الذكاء الاصطناعي يميل لنمط Stalker AI. الأعداء يدورون، يسمعون الأصوات، يتتبعون مصدر الضوء من الولاعة، ويصبحون أذكى مع تكرار أسلوبك. إذا كررت طريق الهروب أكثر من مرة تشعر أنهم يقفون عند الأبواب أو يلتفون من مسارات أخرى.
في النهاية، الزومبيز هنا ليسوا مجرد “أهداف للقتل”. هم “سكان” المكان. بقايا عادات وأصوات ووظائف تضيف طبقة نفسية وأخلاقية فوق التنويع البصري والميكانيكي.
التقنية، RE Engine في أفضل حالاته

تقنيًا، Requiem تبدو كأقوى استعراض لمحرك RE Engine حتى الآن. الإضاءة والظلال وكمية التفاصيل واضحة، خاصة في الممرات المظلمة والإضاءة الخافتة التي تمنح الرعب وزنًا بصريًا قويًا.
والجميل أن المحرك ليس استعراضًا فقط، بل يخدم الرعب. تعابير الوجوه والأنيميشن دقيقة، خصوصًا في منظور غريس الأول. أي رجفة، تنفس سريع، أو ارتجاف باليد ينقل لك حالتها مباشرة. وحتى شعر غريس يبدو أكثر واقعية بتقنية شعر جديدة تتفاعل مع الضوء والحركة بشكل سينمائي.
وعلى الحاسب، هناك دعم لتقنيات متقدمة مثل Path Tracing، ما يعزز الإضاءة الواقعية ويزيد قوة الأجواء.
الألغاز، ريزدنت الكلاسيكية بروح حديثة
الألغاز في Requiem أعادتني لروح Resident Evil الكلاسيكية، ولكن بأسلوب حديث وموزون مع رتم اللعبة.
تصميم المراحل، خاصة مناطق غريس مثل المستشفى/المصحة، يذكرك بمركز الشرطة في RE2: مكان مترابط، أبواب مقفولة، طرق بديلة تفتح مع الوقت، وإحساس دائم أنك “ناقصك قطعة واحدة” لتفتح بابًا.
الألغاز نفسها على طريقة السلسلة: فيوز مفقود، مفاتيح، أدوات تفتح صناديق وحقائب لاحقًا. وفي الوقت نفسه، اللعبة تعتمد على ألغاز بيئية خفيفة: تقرأ ملفات، تلاحظ كتابات على الجدران، وتتبع تلميحات لتعرف أين تذهب أولًا.
وأكثر شيء أحببته هو شعور: “الآن فهمت”. تدور بين الغرف، تفتح اختصارات، ثم فجأة تتضح الخريطة في ذهنك. هذا يعطي إحساس حل لغز كبير، لا مجرد “مفتاح وباب”.
الملاحظات والعيوب:
- أحيانًا ذكاء الأعداء ونمط Stalker AI يتذبذب. بعض الأعداء يعلقون عند الأبواب أو يضيعونك بسرعة بعد كسر خط النظر، وأحيانًا يمكن استغلال دورياتهم إذا حفظتها.
- حركة غريس في البداية بطيئة جدًا، وقد تكون مزعجة إذا لعبت جلسات طويلة، حتى لو كانت مقصودة لزيادة التوتر.
- بعض الزعماء أسهل من المتوقع، ومع توفر الموارد في ساحة القتال يقل التوتر أكثر مما كنت أتمنى.
القصة - 9.5
طريقة اللعب - 9.5
الأصوات و الموسيقى - 9.5
الرسوم - 9.5
9.5
تقدم تجربة متوازنة؛ غريس للرعب النفسي والبقاء، وليون لرعب الأكشن، دون أن تبدو التجربة منفصلة. عودة راكون سيتي تخدم السرد وتكمل خط السلسلة، والزومبيز أكثر توترًا بسلوك متطور. تقنيًا، يخدم RE Engine الرعب عبر الإضاءة والصوت والتفاصيل. ورغم بطء غريس في البداية وسهولة بعض الزعماء، تبقى التجربة قوية ومتماسكة، واتجاهًا ممتازًا ومصقولًا لمستقبل السلسلة.
